الشنقيطي

37

أضواء البيان

في فرج امرأة على وجه الخيانة والغدر ، فإنه ارتكب أخس جريمة عرفها الإنسان بهتك الأعراض ، وتقذير الحُرمات ، والسعي في ضياع أنساب المجتمع الإنساني . والمرأة التي تطاوعه في ذلك مثله . ومن كان كذلك فهو نجس قذر لا يصلح للمصاحبة . فعاقبه خالقه الحكيم الخبير بالقتل ليدفع شره البالغ غاية الخبث والخسة ، وشر أمثاله عن المجتمع . ويطهره هو من التنجيس بتلك القاذورة التي ارتكب ، وجعل قتلته أفظع قتلة . لأن جَرِيمته أفظع جريمة والجزاء من جنس العمل . وقد دل المطهر على أن إدخال الفرج في الفرج المأذون فيه شرعاً يوجب الغسل ، والمنع من دخول المسجد على كل واحد منهما حتى يغتسل بالماء . فدل ذلك أن ذلك الفعل يتطلب طهارة في الأصل ، وطهارته المعنوية إن كان حراماً قتل صاحبه المحصن . لأنه إن رجم كفر ذلك عنه ذنب الزنى ، ويبقى عليه حق الآدمي . كالزوج إن زنى بمتزوجة ، وحق الأولياء في إلحاق العار بهم كما أشرنا له سابقاً . وشدة قبح الزنى أمر مركوز في الطبائع ، وقد قالت هند بنت عتبة وهي كافرة : ما أقبح ذلك الفعل حلالاً ! فكيف به وهو حراما وغلظ جلَّ وعلا عقوبة المحصن بالرجم تغليظاً أشد من تغليظ عقوبة البكر بمائة جلدة . لأن المحصن قد ذاق عُسَيْلة النساء ، ومن كان كذلك يعسر عليه الصبر عنهن . فلما كان الداعي إلى الزنى أعظم ، كان الرادع عنه أعظم وهو الرجم . وأما جلد الزاني البكر ذكراً كان أو أنثى مائة جلدة فهذا منصوص بقوله تعالى * ( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِى فَاجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ ) * . لأن هذه العقوبة تردعه وأمثاله عن الزنى ، وتطهره من ذنب الزنى كما تقدَّم . وسيأتي إن شاء الله تعالى تفصيل ما يلزم الزناة من ذكور إناث ، وعبيد وأحرار ( في سورة النور ) . وتشريع الحكيم الخبير جلَّ وعلا مشتمل على جميع الحكم من درء المفاسد وجلب المصالح ، والجري على مكارم الأخلاق ، ومحاسن العادات ، ولا شك أن من أقوم الطرق معاقبة فظيع الجناية بعظيم العقاب جزاءً وفاقاً . ومن هدي القرآن للتي هي أقوم : هديه إلى أن التقدم لا ينافي التمسك بالدين . فما خيله أعداء الدين لضعاف العقول ممن ينتمي إلى الإسلام : من أن التقدم لا يمكن إلا بالانسلاخ من دين الإسلام باطل لا أَساس له ، والقرآن الكريم يدعو إلَى التقدم في جميع الميادين التي لها أهمية في دنيا أو دين . ولكن ذلك التقدم في حدود الدين ، والتحلي بآدابه الكريمة ، وتعاليمه السماوية . قال تعالى : * ( وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ) * ،